الشيخ عبد الغني النابلسي
10
ديوان الحقائق ومجموع الرقائق
تَعْقِلُونَ [ المؤمنون : 78 - 80 ] . وإلى متى هذه المجادلة في اللّه يا أهل السّنّة والفرض ؟ أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ إبراهيم : 10 ] فعلمنا هذا هو العلم النافع ، وديننا هذا هو الدين الرافع ، وهو الإيمان المجرّد عن الوساوس العقلية ، والتصديق بالكتاب والسّنّة على المعنى الذي يعلمه اللّه ورسوله من غير بحث ولا جدال في هذه القضية . وقد نقل الإمام أبو الحسن اللبوديّ الحنبليّ في كتابه اللّمع في السّنن والبدع ، أن الإمام الشافعي « 1 » رضي اللّه عنه كان يقول : آمنت باللّه وبما جاء عن اللّه على مراد اللّه وآمنت برسول اللّه وما جاء به رسول اللّه على مراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال في الكتاب المذكور : وعلى هذا درج السّلف وأئمة الخلف وهناك ما لا يحصى من النقول والعبارات في تقوية ما ذهبنا إليه من مذهب أهل التحقيق والإشارات ، فآمنوا باللّه ورسوله ، وليتحقّق كل أحد منكم بمقصده وسؤله ، ولا تلتفتوا إلى مقتضيات العقول في الاستحسان والاستقباح ، وتمسّكوا في ذلك بنصوص الكتاب والسّنّة فقد رفع عنكم فيها الجناح يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] . بسم اللّه الرّحمن الرحيم وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 1 - 3 ] . فيا أيها الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، ويا أيها المتواصون بالحق والمتواصون بالصبر في جميع الحالات ، اعلموا يا إخواني ، ويا عصبتي في نصرة الحق على النفوس الإنسانية ويا أعواني ، أنكم أنتم المراد في جمعيتي هذه وديواني ، لأنّ الحق تعالى ناظر إليكم بالنظر السبحاني ، وممدّكم بالإمداد الربّاني ، وأنا وإياكم قد اشتركنا في ذوق ما يفيضه علينا من هذه المعاني . ولا حظّ لأهل الانتقاد والإنكار سوى ما يمدّهم اللّه تعالى من الخطأ والكفر والضلال واستصغار الأسرار الكبار ، وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [ الأحقاف : 11 ] وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ البقرة : 282 ] . وهذان القسمان من الناس ضدّان ، رفعوا النقط الثلاث العقلية والنفسانية والجسمانية فكان سرورا ، ووضعوها فكان شرورا ، كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً [ الإسراء : 20 ] . وقال تعالى إلى هذين الفريقين مشيرا : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [ البقرة : 26 ] . والقسم الثالث : هم أهل
--> ( 1 ) هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي ( 150 - 204 ه - 767 - 820 م ) . أبو عبد اللّه ، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السّنّة ، وإليه نسبة الشافعية كافة . ولد في غزة بفلسطين وحمل منها إلى مكة ، وزار بغداد مرتين ، وقصد مصر سنة 199 فتوفي بها . له تصانيف كثيرة أشهرها كتاب « الأم » في الفقه ، ومن كتبه « المسند » في الحديث ، و « أحكام القرآن » و « السّنن » و « الرسالة » في أصول الفقه ، وغير ذلك . الأعلام 6 / 26 - 27 ، وتذكرة الحفّاظ 1 / 329 ، والوفيات 1 / 447 ، وتهذيب التهذيب 9 / 25 .